حيدر حب الله
353
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
نزعم أن دراسات غير مبتسرة هي الأضمن لتفكيك الأفكار ونقدها . لكن مع ذلك يسجّل لصالح الأصولي تغييبه السليم لأدلّة أخباريّة كشف التطوّر الدرسي عن خوارها التام ، والعلوم الدينية مطالبة كل فترة بنفض الغبار عنها ، بما يزيل إلى الأبد وجهات نظر عفّ عليها الزمان ومضى . رابعا : رغم أنّ مقولة التفسير بالرأي كانت من أهمّ ما أثار الجدل في هذا الموضوع ، إلّا أنّ كلمة الأصوليين تكاد تتفق على أنّ المراد بالرأي هو الاستحسانات والاعتبارات العقلية الظنية والترجيحات أو اتّباع الأهواء و . . . دون أن يقدّم لنا الأصولي دراسة مفصّلة لهذا الموضوع يبرهن فيها على صدق مدّعاه ، وهو موضوع شائك طرحت فيه آراء كثيرة منذ الطبري ( 310 ه ) ومن قبله وحتى عصرنا الحاضر ، نعرض عنها لخروجها عن مجال بحثنا ، وقد أشرنا لبعضها في هامش سابق ، وقد كان ينبغي بالأصولي أن يركّز على هذا الموضوع أكثر ليعطيه حقّه ، كونه يلامس جانبا حسّاسا من مصادر المعرفة الدينية . خامسا : رغم أن مقولة اتّباع المتشابه كانت من أدلّة الأخباري ، إلا أن البحث الأصولي تلقّاها بنوع من البساطة ، وكان ينبغي أن تدرس قضية آية المتشابه والمحكم بعمق أكثر من مجرّد القول بأنّ المتشابه هو المجمل لا الظاهر « 1 » ، ليس لأجل غموض الموضوع ، فنحن نسلّم بوضوح أن ليس المراد بالمتشابه الظاهر بل خصوص المجمل ، وإنما لطبيعة حساسيّة البحث وتشعّبه . سادسا : أسهم الأصوليون - في خطوة موضوعيّة - في مساعدة الأخباريّين على اختراع أدلّة جديدة ، وكما أشرنا ، فقد كانت محاولة توظيف فكرة التحريف محاولة أصولية بحتة ، ولم يقم البحراني ( 1186 ه ) ولا الفيض ( 1091 ه ) من قبله بأخذ الفكرة مساندا لهدم المرجعية القرآنية ، كما كانت فكرة العلم الإجمالي بوجود تعديلات دلاليّة أو في حجية الدلالات القرآنية من نوع التخصيص والتقييد و . . . فكرة أساسية كان الإسهام الأكبر في تطويرها على يد الأصوليين الذين طوّروا مجمل نظرية العلم الإجمالي . . ويعبّر ذلك عن أمانة علميّة رفيعة ، ونزاهة كذلك ، وقد قام الأصوليون بردّ تلك الأدلّة ردّا محكما ، وفقا لآخر تطوّرات علم الأصول وأبحاثه . على أيّة حال ، تكرّرت الأفكار في علم الأصول في موضوعنا منذ القمي ( 1231 ه ) صاحب القوانين ، مرورا بالأصفهانيّين الأخوين : صاحبي الفصول ( 1261 ه ) وهداية المسترشدين ( 1248 ه ) ، والأنصاري ( 1281 ه ) ، والخراساني ( 1329 ه ) ، والنائيني ( 1355 ه ) ، والعراقي ( 1361 ه ) ، والكمپاني ( 1361 ه ) ، وصولا إلى الحكيم ( 1390 ه )
--> ( 1 ) - انظر هذا الموقف في : القمي ، القوانين المحكمة 1 : 380 ؛ والخراساني ، كفاية الأصول : 326 .